مقدمة
إن التأريخ للحركة اللغوية في أي قطر من الوطن العربي ليستعصي على الباحث إن قدَّم التأريخ للأفكار اللغوية على التأريخ اللغويين، ولا سيما في وطنٍ عريق تاريخياً، مترامي الأطراف جغرافياً، يستعمل لغة واحدة؛ وهي العربية التي اجتمع فيها من المميزات ما تفرَّق بعضُها في غيرها، والبعض الآخر اختصَّ بها وعزَّ في سواها.
ولعل من بين أهم ما انفردت به العربيةُ أنْ توالتْ عليها الدراساتُ اللغوية بدون انقطاع طيلةَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ قرناً من الزمان؛ إذ بدأ وصفُها في منتصف القرن الأول للهجرة وبقي مستمراً ومازال ممتداً في عصرنا الحالي. وقد اجتمع حول العربية عددٌ لا بأس به من المدارس اللغوية، وجمٌّ غفيرٌ من اللغويين المعدودين بعشرات المئات. وفي هذا السياق تكفي الإشارة إلى أن جلال الدين السيوطي، إلى حدود عام (911 ﻫ) تاريخ وفاته، ترجم لحوالي 2209 لغوياً في كتابه "بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة".
بل إن العلماء بالعربية المشتغلين بدراستها لكثرتهم صاروا موضوعاً للتأليف، فصُنِّفت العشرات من الكتب التي تتبعت أخبارهم و أحصت مصنفاتهم، ودوَّنت أفكارهم وميولاتهم المذهبية، ورصدت خلافاتهم. وهذه الصفوة الهائلة من الدارسين صنفوا ألوفاً كثيرة من الكتب في مختلف علوم العربية: في أصواتها وقواعد التأليف بينها، وفي معجمها جمعاً وتدويناً وفي قواعد توليد مفردات فروع من أصولها. واختص الكثير في قواعد اشتقاق بعض الكلم من بعض وقواعد استلال بعض الصيغ الصرفية من بعض. وأكثرُ منهم عالج قواعد التأليف والإعراب والترتيب بين المفردات لتكوين الجمل، والتأليف بين الجمل لتركيب النص، وتطلع ثلة إلى قواعد نظم الخطاب المعجز.
إن الكثرة المتكاثرة من الدارسين في الزمان الممتدّ الطويل للغة العربية المرتبطة بكتابٍ مقدَّسٍ للمسلمين سيؤدي حتماً إلى تكوين مكتبة لغوية ليس لها نظير في حقل اللغويات في أي مكان، وما طبع منها حتى الآن شيءٌ قليل، والإحاطةُ به على أي باحثٍ عسير، ولكن ما لا يُدرك كلُّه لا يُترك بعضه.
والمهم في موضوع هذا المقال أن القارئ في الوطن العربي عامة على اهتمامه باللغة العربية اكتساباً ودراسة، قد يغيب عن المتخصص منهم بعضُ المراكز العلمية التي نشطت فيها الحركة اللغوية منذ انطلاقها في المشرق خاصة؛ ومنها مركز البحرين الذي تردد ذكرُه مقترناً بلغويين من هذا القطر العربي الشقيق أو بجانب مراكز لغوية أخرى منتشرة في وطن العربية، كالتي سرد القِفطي حيث يقول: «وذكرت مشايخ علمَيْ النحو واللغة، ممن تصدَّر لإفادتها تصنيفاً وتدريساً ورواية، في أرض الحجاز، واليمن، والبحرين([1])، وعُمَان، واليمامة، والعراق، وأرض فارس، والجبال، وخرسان، وكَرَمْسير، وغَزْنَة، وما وراء النهر، وأذريبجان، والْمَذارَ، وإِرْمِينَية، والموصل، وديار بكر، وديار مضر، والجزيرة، والعواصم، والشام، والساحل، ومصر وعملها، وإفريقية، ووسط المغرب وأقصاه، وجزيرة الأندلس، وجزيرة صقلية»([2]). ومن أكبر جزر البحرين أوال وهي «جزيرة في بلاد البحرين بين اليمامة والبصرة وعمان، وهذه الجزيرة بينها وبين الساحل مجرى يوم وهي كثيرة النخل والموز والجوز والأترج والأشجار والزرع والأنهار. وأوال جزيرة طويلة مسيرة ستة عشر يوماً وفيها معادن اللؤلؤ ولذلك قال أبو العلاء المعري في قصيدة له:
إن التأريخ للحركة اللغوية في أي قطر من الوطن العربي ليستعصي على الباحث إن قدَّم التأريخ للأفكار اللغوية على التأريخ اللغويين، ولا سيما في وطنٍ عريق تاريخياً، مترامي الأطراف جغرافياً، يستعمل لغة واحدة؛ وهي العربية التي اجتمع فيها من المميزات ما تفرَّق بعضُها في غيرها، والبعض الآخر اختصَّ بها وعزَّ في سواها.
ولعل من بين أهم ما انفردت به العربيةُ أنْ توالتْ عليها الدراساتُ اللغوية بدون انقطاع طيلةَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ قرناً من الزمان؛ إذ بدأ وصفُها في منتصف القرن الأول للهجرة وبقي مستمراً ومازال ممتداً في عصرنا الحالي. وقد اجتمع حول العربية عددٌ لا بأس به من المدارس اللغوية، وجمٌّ غفيرٌ من اللغويين المعدودين بعشرات المئات. وفي هذا السياق تكفي الإشارة إلى أن جلال الدين السيوطي، إلى حدود عام (911 ﻫ) تاريخ وفاته، ترجم لحوالي 2209 لغوياً في كتابه "بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة".
بل إن العلماء بالعربية المشتغلين بدراستها لكثرتهم صاروا موضوعاً للتأليف، فصُنِّفت العشرات من الكتب التي تتبعت أخبارهم و أحصت مصنفاتهم، ودوَّنت أفكارهم وميولاتهم المذهبية، ورصدت خلافاتهم. وهذه الصفوة الهائلة من الدارسين صنفوا ألوفاً كثيرة من الكتب في مختلف علوم العربية: في أصواتها وقواعد التأليف بينها، وفي معجمها جمعاً وتدويناً وفي قواعد توليد مفردات فروع من أصولها. واختص الكثير في قواعد اشتقاق بعض الكلم من بعض وقواعد استلال بعض الصيغ الصرفية من بعض. وأكثرُ منهم عالج قواعد التأليف والإعراب والترتيب بين المفردات لتكوين الجمل، والتأليف بين الجمل لتركيب النص، وتطلع ثلة إلى قواعد نظم الخطاب المعجز.
إن الكثرة المتكاثرة من الدارسين في الزمان الممتدّ الطويل للغة العربية المرتبطة بكتابٍ مقدَّسٍ للمسلمين سيؤدي حتماً إلى تكوين مكتبة لغوية ليس لها نظير في حقل اللغويات في أي مكان، وما طبع منها حتى الآن شيءٌ قليل، والإحاطةُ به على أي باحثٍ عسير، ولكن ما لا يُدرك كلُّه لا يُترك بعضه.
والمهم في موضوع هذا المقال أن القارئ في الوطن العربي عامة على اهتمامه باللغة العربية اكتساباً ودراسة، قد يغيب عن المتخصص منهم بعضُ المراكز العلمية التي نشطت فيها الحركة اللغوية منذ انطلاقها في المشرق خاصة؛ ومنها مركز البحرين الذي تردد ذكرُه مقترناً بلغويين من هذا القطر العربي الشقيق أو بجانب مراكز لغوية أخرى منتشرة في وطن العربية، كالتي سرد القِفطي حيث يقول: «وذكرت مشايخ علمَيْ النحو واللغة، ممن تصدَّر لإفادتها تصنيفاً وتدريساً ورواية، في أرض الحجاز، واليمن، والبحرين([1])، وعُمَان، واليمامة، والعراق، وأرض فارس، والجبال، وخرسان، وكَرَمْسير، وغَزْنَة، وما وراء النهر، وأذريبجان، والْمَذارَ، وإِرْمِينَية، والموصل، وديار بكر، وديار مضر، والجزيرة، والعواصم، والشام، والساحل، ومصر وعملها، وإفريقية، ووسط المغرب وأقصاه، وجزيرة الأندلس، وجزيرة صقلية»([2]). ومن أكبر جزر البحرين أوال وهي «جزيرة في بلاد البحرين بين اليمامة والبصرة وعمان، وهذه الجزيرة بينها وبين الساحل مجرى يوم وهي كثيرة النخل والموز والجوز والأترج والأشجار والزرع والأنهار. وأوال جزيرة طويلة مسيرة ستة عشر يوماً وفيها معادن اللؤلؤ ولذلك قال أبو العلاء المعري في قصيدة له:

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق